الأربعاء، 30 مايو، 2012

ملاحظات سبع في قضية المواطنين السبعة


تصدر محكمة أبوظبي الابتدائية الاتحادية يوم الخميس 31 مايو 2012 حكمها في قضايا السبعة المواطنين الأحرار الذين يُقال أنه صدرت مراسيم بإسقاط جنسياتهم. وعلى حد علمي قال أحدهم وهو الاستاذ أحمد غيث السويدي قد صدر مرسومه في مايو 2011 بينما الستة الآخرين في 4 ديسمبر 2011 أي بعد يومين من احتفالنا باليوم الوطني الأربعين لتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة. ولقد تابعت مجريات القضية من خلال بعض أسر السبعة الإصلاحيين ولي ملاحظات عديدة ، اكتفي بسرد سبعة منها ، على مجرياتها أتمنى أن تصل للمسؤولين في الدولة لما لهذه القضية من انعكاسات على سجل الدولة الحقوقي ونظرة العالم لها وتأثيراتها على أسس دولة القانون التي يسعى حكامنا حفظهم الله لترسيخها.

أول هذه الملاحظات أن الدعوى تم رفعها ضد وزارة الداخلية لأنه لم يكن هناك مرسوم قد تم تقديمه لتبرير سحب جوازات سفر وخلاصات القيد(دليل الجنسية) من طرف الوزارة. وفي دولة نص قانون الجنسية فيها الذي وضعه أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للإتحاد منذ عام 1972 على أنه لا يجوز إسقاط الجنسية إلا في 3 أحوال محددة على سبيل الحصر في المادة 15 من القانون. وفي هذه الأحوال هي: التجنس بجنسية دولة أجنبية، الالتحاق بالخدمة لدى قوات مسلحة لدولة أخرى، العمل لمصلحة دولة معادية. وهذه الأحوال لا يمكن الإضافة أو القياس عليها أو التوسع في تفسيرها وهي لا تنطبق على أي من السبعة ولم يقم أي دليل عليها.

ثاني الملاحظات أن التبريرات التي ساقها المصدر المسؤول بوزارة الداخلية (الذي لا أجد سبباً لإغفال اسمه وتجهيله) لاتخاذ إجراء سحب الأوراق الثبيوتية عن السبعة هي تبريرات تقع تحت المادة 16 من قانون الجنسية والتي تختص بسحب الجنسية من المتجنس. ومن يتفحص خلاصات قيد السبعة، والتي نشر صوراً لبعضها على مواقع الانترنت، يجد أنهم قد اكتسبوا الجنسية بحكم القانون. أي أن الدولة لا تعتبرهم في وثائقها الرسمية، التي هي حجة على الكافة، متجنسين بل مواطنون بحكم القانون. لذلك فإن التبريرات التي نشرت في الصحافة تبريرات مغلوطة ولا يصح حتى في حال ثبوتها، وهي فرضية مستبعدة، أن تكون سبباً لإسقاط الجنسية عن السبعة لأنهم ليسوا متجنسين ولا تنطبق عليهم المادة 16 من القانون.

ثالث الملاحظات أن قانون الجنسية اشترط في المادة 20 منه صدور مرسوم من صاحب السمو رئيس الدولة لمنح أو سحب أو اسقاط الجنسية بعد أن يقترح ذلك الإجراء الخطير وزير الداخلية ويعرض على مجلس الوزراء للموافقة عليه. ودستور الدولة نص في المادة 114 على وجوب نشر المرسوم بعد توقيعه من رئيس الدولة في الجريدة الرسمية. وما علمناه أن مقترح إسقاط الجنسية عن السبعة لم يعرض على مجلس الوزراء كما لم يتم نشره في الجريدة الرسمية. لذلك فإن الشكل القانوني الذي رسمه الدستور والقانون لم يتم استيفائه مما يجعل كل الإجراءات التي تم اتخاذها ضد السبعة منذ اليوم غير صحيح وباطلة قانوناً.

ومن يطلع على أعداد الجريدة الرسمية للدولة التي تصدر مرة كل شهر سيجدها على مدار سنوات طويلة تنشر فيها مراسيم منح الجنسية أو سحبها من المتجنسين أو اسقاطها. بل إن هذه المراسيم المنشورة لها ديباجة معتادة وهي أن رئيس الدولة يذكر في بداية المرسوم أنه بعد الاطلاع على دستور الدولة وقانون الجنسية وبناءاً على ما عرضه وزير الداخلية وموافقة مجلس الوزراء رسمنا بما هو آت. أي أن المنشور تكون قد اكتملت شروطه الشكلية التي تطلبها الدستور والقانون.

رابع الملاحظات أن وزارة الداخلية ترددت في عدة جلسات أن تقدم المرسوم الذي يزعم أنه بموجبه تم إسقاط الجنسية عن السبعة المواطنين بحكم القانون وذلك ليس له مبرر سوى إطالة أمد التقاضي والإضرار بمصلحة السبعة وأسرهم التي تعاني من هذا الإجراء غير السليم. وعندما أرادت تقديمه في الجلسة الأخيرة للمحاكمة فإنها قدمت صورة من المرسوم لا أصل المرسوم. وكما نعلم فإن أبسط قواعد الإجراءات أمام المحاكم تفيد بأن الصورة لا تفيد سيئاً إذا أنكرها الطرف الآخر. وحتى صورة هذا المرسوم ، كما اطلعت عليها من خلال أسرة أحد السبعة ، تخالف تماماً الشكل المعهود لمراسيم صاحب السمو رئيس الدولة في مجال الجنسية التي اطلعت عليها في الجريدة الرسمية. بل إن المرسوم به كتابة للأرقام بخط اليد وليست أرقاماً مطبوعة كما هو جارٍ عليه العمل في الجهات الحكومية.

خامس الملاحظات أنه حتى لو صح وجود مرسوم بسحب أو اسقاط الجنسية عن السبعة فإن هذا المرسوم يعتبر قرار إداري وليس عملاً سيادياً لا يخضع لرقابة القضاء. فكما يقول الاستاذ الدكتور عكاشة عبدالعال في شرحه لقانون الجنسية في الإمارات أن المرسوم الخاص بالجنسية”لا يعدو أن يكون مجرد تنفيذ إداري لقوانين الدولة لا يرقى لمرتبة أعمال السيادة. فمتى ما فرغ المشرع من بيان شروط كسب الجنسية وشروط زوالها ، فإن القضاء هو من يعد بعد ذلك المختص بالفصل فيما إذا كانت الإدارة قد احسنت تطبيق هذه الشروط أم لا. ويكون دوره في مراقبة تطبيق القانون بمثابة ضمان لسلامة تطبيق القانون النابع من سيادة الدولة.” (من مطبوعات أكاديمية شرطة دبي ، ص 413).

وأكد الدكتور عكاشة هذه الفكرة المستقرة عالمياً عندما قال: “أما قانون الجنسية الإماراتي فلم يتطلب تعليق القرار .. بيد أن ذلك لا يعني أن قرار السحب هذا يكون محصناً ضد الطعن عليه. فنحن بصدد قرار إداري يمكن الطعن عليه موضوعياً أمام القضاء” (ص 400). لذلك فإن عدم السماح للسبعة بالطعن على المرسوم بإسقاط جنسياتهم يعتبر إخلالاً جسيماً بحقهم في التقاضي الذي كفله دستور الدولة في المادة 41.

الملاحظة السادسة أن وزارة الداخلية اتخذت إجراءاً تعسفياً بحبس المواطنين السبعة منذ 9 أبريل 2012 بعد أن رفضوا التوقيع على تعهد بالحصول على جنسية دولة أخرى خلال أسبوعين. فهذا الحبس ليس له سند من القانون وهو يخالف قانون الإجراءات الجزائية. فالذي له حق الحبس هو النيابة العامة ولمدة أقصاها 21 يوماً ومن بعد ذلك يأتي دور المحكمة المختصة. أما وزارة الداخلية فليست من جهات الاختصاص بالحبس ولم يمنحها القانون سوى سلطة التوقيف لمدة أقصاها 48 ساعة لمن يشتبه في ارتكابه جريمة ومن ثم تحويله إلى النيابة العامة لتحقق معه وتتخذ الإجراء القانوني السليم. إن استمرار حبس السبعة لمدة جاوزت 50 يوماً فيه تهديد صريح لبنيان دولة القانون وكان يتوجب على النائب العام الإتحادي التدخل فوراً لوقف انتهاك قانون الإجراءات الجزائية وإطلاق سراحهم. ولا أدري سبباً لامتناع النائب العام عن التدخل للإفراج عن السبعة أو التحقيق في فعل حبسهم غير القانوني.

الملاحظة السابعة والتي علمت بها من أسرة أحد المعتقلين ، أنه لم يسمح لهم بمقابلة المحامين الموكلين من طرفهم في القضايا المرفوعة أمام المحكمة منذ أن تم اعتقالهم قبل 50 يوماً. وهذا إجراء غريب وشاذ لم أسمع به من قبل. فمقابلة المحامي لموكله (حراً كان أم محبوساً) هي حق كفله دستور الدولة وقانون الإجراءات بل وقانون تنظيم مهنة المحاماة. فكيف للمحامي أن يكتب مذكراته ودفاعه إن لم يتمكن من لقاء موكله وإطلاعه على ما يقدمه الخصم. وكيف للسبعة المحبوسين أن يطمئنوا لحسن سير العدالة وأن يقدم دفاعهم بشكل صحيح إذا لم يلتقوا بمحاميهم. إن هذا الإجراء الذي اتخذته وزارة الداخلية يلقي بضلال من الشك على عدالة المحاكمة ونزاهتها لخرقه حقاً جوهرياً وهو حق الدفاع.

هذه ملاحظات سبعة تشكل للأسف هزة لأركان العدالة وشرخاً في بنيان القضاء الشامخ نتمنى من أولي الرأي والحكمة والإتزان في الدولة وهلى رأسهم صاحب السمو رئيس الدولة وصاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حفظهما الله التصدي لها وإعادة الثقة في احترام الدستور والقانون لكي ترسخ حقوق الإنسان وحرياته في دولتنا العزيزة.

بقلم: أحمد سالم .. ناشط حقوقي مهتم بالشؤون المحلية والخليجية
A7m3d.salim@hotmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق